زكي مبارك

96

عبقرية الشريف الرضي

والذي يقول : سقى اللَّه دهرا حبانا الودا * د مبتدها فشكرنا العراقا والذي يقول في رجوعه من الحج يتشوف إلى قباب بغداد : عسى اللَّه أن يأوي لشعث ( 1 ) تناهبوا * هباب المطايا نصها وانجذابها ( 2 ) وجاسوا بأيديها على علل السرى * حرار أماعيز الطريق ولابها ( 3 ) فيرمي بها بغداد كل مكبر * إذا ما رأى جدرانها وقبابها فكم دعوة أرسلتها عند كربة * إليه فكان الطول منه جوابها ( 4 ) فالشريف لم يكن ينكر بغداد ولا العراق ، ولكنه مع ذلك لم يكن مقصور الهوى على بغداد والعراق ، فقد كانت له صبابات بالبيداء ، صبابات غنمها واكتوى بنارها في طريقه إلى الحج ، وهو حج مرات ورأى الظباء الحوالي والعواطل بالبيداء ، وربما كان الحج هو السبب الأول في تفتح عبقرية الشريف ، فقد كانت تمر أشهر وهو يراود الخيال فوق ظهر جمل أو سراة جواد ، ونحن نعرف فضل هذه الاسفار على الشعراء ، فالشعر يحتاج إلى غناء ، وهو لا يتيسر في كل وقت لمن يعيشون في الحواضر فوق مهاوي المشكلات السياسية ، والمعضلات الاجتماعية ، وإنما

--> ( 1 ) الشعث جمع اشمث وهو من غبره السفر ( 2 ) الهباب بالكسر النشاط ، والنص أقصى ما عند الناقة من السير ( 3 ) الحرار جمع الحرة وهي الأرض ذات الحجارة السود ، والأماعيز جمع أمعوز بالضم وهي الأرض الصلبة واللاب جمع اللابة واللوبة وهي الأرض ذات الحجارة ( 4 ) الطول بالفتح الجود .